لسان الدين ابن الخطيب

430

الإحاطة في أخبار غرناطة

استيطانهم ، إلى حدود المائة السابعة ، فتسبّب في الانتقال من بقي منهم ، وهو جدّي الأقرب الأنساب ، وقضى ارتحاله إلى مدينة وادي آش ، ولكل أجل كتاب ، وذلك أنه استقضي بنظر ما في دولة أمير المسلمين الغالب بالله « 1 » ، أول ملوك هذه الدولة النصرية ، نصر اللّه خلفها ، ورحم سلفها ، فاتخذ فيها صهرا ونسبا ، وكان ذلك لاستيطانه بها سببا ، واستمرّ مقامه بها إلى أن ارتحل إلى المشرق لأداء الفريضة فكان إلى أشرف الحالات مرتحله ، وقضى في إيابه من الحج أمله . واستمرّت به الاستيطان ، وتعذّرت بعوده إلى غرناطة بعدما نبت فيها الأوطان . على أنه لم يعدم من اللّه السّتر الجميل ، ولا حظّ من عنايته بإيصال النّعمة كفيل ، فإنه سبحانه حفظ من سلف فيمن خلف ، وجعلهم في حال الاغتراب فيمن اشتهر بنباهة الحال واتّصف ، وقيّض لمصاهرتهم من خيار المجد والشرف ، وبذلك حفظ اللّه بيتهم ، وشمل باتصال النّعمة حيّهم وميتهم . فالحمد للّه ، بجميع محامده ، على جميل عوائده . وتخلّف بوادي آش أبي وأعمامي ، تغمّدهم اللّه وإياي برحمته ، وجمع شملنا في جنّته . وأمّا التعريف بهم ، فأنت أبقاك اللّه ، بمن سلف قديما منهم أعلم ، وسبيلك في معرفتهم أجدى وأقوم ، بما وهبكم اللّه من عوارف المعارف ، وجعل لكم من الإحاطة بالتالد منها والطّارف . وأمّا من لم يقع به تعريف ، ممن بعدهم ، فمن اقتفى رسمهم في الطريقة العلمية ، ولم يتجاوز جدّهم ، وهو جدّي أبو بكر عبد اللّه بن طلحة ورابع أجدادي . كان ، رحمه اللّه ، ممن جرى على سنن آبائه ، وقام بالعلم أحسن قيام ونهض بأعبائه . ألّف كتابا في « الرقائق » ، ففات في شأوه سبق السابق ، وتصدّر ببلده للفتيا ، وانتفع به الناس ، وكان شيخهم المقدّم . ولم أقف على تاريخ مولده ولا وفاته ، غير أنه توفي في حدود المائة الخامسة ، رحمه اللّه . وأمّا من بيني وبينه من الآباء ، كجدّي الأقرب وأبيه ومن خلفه من بنيه ، فما منهم من بلغ رتبة السّابق ، ولا قصر أيضا عن درجة اللّاحق ، وإنما أخذ في الطلب بنصيب ، ورمى فيه بسهم مصيب . وأما مولدي « 2 » ، فبوادي آش ، في أواخر عام تسعة وسبعمائة . وفي عام ثلاثة وعشرين ، ابتدأت القراءة على الأستاذ أبي عبد اللّه الطّرسوني وغيره ممن يأتي ذكره . ثم كتبت بعد ستة أعوام على من وليها من القضاة ، أولي العدالة والسّير المرتضاة ،

--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن يوسف ، أول سلاطين بني نصر بغرناطة ، حكم من سنة 635 ه إلى سنة 671 ه . اللمحة البدرية ( ص 42 ) . ( 2 ) قارن بنفح الطيب ( ج 10 ص 139 ) .